سليمان الفليح :
. . دعني أتذكر جيداً " موت الأماني
الصغيرة "
جمعتني زمالة طويلة مع الأستاذ الشاعر سليمان
الفليح في عدة أماكن..
أولها في جريدة السياسة في أواخر الثمانينات
عندما كنت صحفيا أحرر الباب الجامعي والتعليمي في نهاية الثمانيات وكان هو كاتب
فيها يتردد علينا بين مساء ومساء ويجلس معه جمع من الشعراء الشباب الذي يتعاملون
معه كمعلم..
ثم زاملته سنوات طويلة في مجلة المختلف..
وبعد ذلك اجتمعنا في لجنة تحكيم برنامج شاعر
العرب على مدى سنتين متتاليتن..
وأكاد اقول أن سليمان الفليح الذي عرفته قبل
ثلاثين عاما أو يزيد.. بقي كما هو كل تلك السنين.. أمير الصعاليك الشاعر المحتج
بهدوء، الغاضب بصمت، الباحث في التاريخ دون تنطع أو مباهاة او تكسب..
أحب الشعر وشجع الشباب.. وأخذته دوامات الحزن
الكثيرة.. لكنه ظل صلبا قويا..
وقبل أيام فجعنا برحيله ، بعد ان كنت قبل
سنوات فجعت برحيله من الكويت
وكنت أعجب وأنا أراه يهجر الكويت دون تعبير
عن ألمه.. بينما كانت دموع قلبي تسح من فعل مسؤولين فقدوا إنسانيتهم.. فبعد خدمة
في الأدب والعسكرية تقارب الأربعين عاما... لايعطى سليمان اي تقدير..
في تلك الأيام أجريت حوارا وداعيا مع سليمان
الفليح يتناول ظروف رحيله.. كأنما يتحدث عن رحيله اليوم..
عم تبحث يا فارس
الندى؟
أعن الكلمة التي
تفتح المدن؟
هل تعرف أن في
الكلام ملا يحرّك واجب الإجابة بقدر ما يثير فينا شهية الكتابة؟
الطائر العابر
يرمي علينا سماء.
ورائحة الخبز
الطازج تفتح أمامنا المروج.
هل هي "عدوى
الشجن" التي يقول عنها محمود درويش؟
سأسألك : أين أنت؟
أين أنت الآن؟ أما زلت تحمل قلبك كزوادة الراعي، أم يحملك قلبك كناي، وتمضيان على
غير هدى، صدى من هنا، خلف صوت مكسور.
كنت هنا يا سليمان
الفليح.
لم تكن أبانا بقدر
ما كنت أباً للنبات والشجر.
كنت هبة لم نتقن
الفرح بها، كما نتقن الفرح بذكراها الآن.
أما زلت عاجزاً عن
البقاء خارج البطولة. . والقلق، قلقك الأثير الذي أصبح هويتك الرسمية.
كنت هنا يا
سليمان: وهجاً لا يفتر. هكذا " صرت . . ومتاع قليل".
وترتمي البيد في
الفضاء الشرس الساكن عينيك.
من بيتك الصغير
النابض في قطعة 2، انطلقت حشود الكلمات، والقلوب الرطبة، والقصائد الجامحة،
والصعاليك، وزحاديث المساءات الممتدة، وحكايا التراث العتيقة، والحب.
وأنت رجل تجيد
" فن توزيع المحبة".
شخصياً. . أزعجتك
كثيراً، وما أكثر ما غضبت مني.
ولكنه كان أجمل
غضب واجهته.
هو أشبه بغضب
المطر.
. . . .
سليمان كنت هنا.
وطوال الزمن الذي
عرفتك فيه حاولت أن أكتب عنك، ولكن الجملة ظلت تتمنع وتستعصي.
وها أنا استحضر كل
الذاكرة، وأشرع كل أبواب القلب لريح الذكرى، فتطل القامة الباسقة تنهر وهدة الصدر.
سأقول أشياء
بديهية قالها قبلي كثر.
لا، سأسأل: هل
يرحل الجبل؟
هل تتخلى قمته عن
مداعبة الريح واحتضان عواء ذئاب الليالي.
سليمان . . أنت
هنا.
سأجلس معك على
الورق. . وأسمع نصائحك، وأسألك متخلياً عن وقاحتي، التي اعتدتها.
ولك أن تقول :
· لنبدأ من الأول، من الأول جداً، لنقف عند طفولتك، هل
تتذكرها أم أنك لا تريد أن تتذكر؟ أعرف أنك أبن الصحراء . . وقد حافظت على وفائك
للصحراء حتى هذه اللحظة، هل يمكن أن تتحدث لي بإسهاب عن مشوار الطفولة وملامحها
وأطيافها؟
-
اسمعني جيداً وهات
أذنيك كلتيهما وأحضر قلبك كله واشرح صدرك لبوحي الضاج وإلا لن نتفق على مبدأ
الحوار أصلاً، ثم نحّ " خبثك الصحفي" العتيد أولاً، ولنكن أصدقاء وبيننا
خبز وملح وعشرة طيبة وذكريات جميلة.
أنني بدوي شريد
أحب التسكع والشعر
و(العطر!!)
والزهر
والنسوة الفاتنات
وأحب الوطن
والنهار الجديد
أما فيما يخص
تشردي فإنه قد آن لي أن أرتاح من هذه المرحلة السرمدية المضنية، ويبدو أنه حان
الوقت ليرتاح قلبي في ظل شجيرة وارفه أستغل فيأها للتمدد والغناء والغذاء الجيد،
وممارسة مباهجي الصغيرة وكتابة الشعر الذاتي البحث بعد أن " كاد أن يغدو
الأمل خزعبلة!" ولكنني سأضعه قسراً وكيفما اتفق لأنني تعبت . . تعبت منذ
طفولتي الشقية حتى اليوم حيث بقى اليتم ملازماً لهذه الحياة طوال العمر. .
إيه يا أبا رزان
دعني أتذكر جيداً:
في سني الجفاف
المريع
وموت العصافير من
سطوة الشمس
عند اشتداد
الظهيره
واحتضارات أطفالنا
الرائعين
على أيدي الأمهات
وحلم العشيرة
وهماً
بمرأى المراعي الوفيره
تحجر قلبي المدمّي
للمدن المعدن. .
لحقول نبتت في الحال
لزهور الليل
الحجرية تخرج من طين الصلصال
أذكر إذ أوغل في
ذهني
وتدق الذكرى في
البال
وجهاً بدوياً
محروقاً
صلباً كجمود
التمثال
يركض خلف الإبل
العطشى
يحفر آباراً وهمية
تبعد آلاف الأميال
نقطعها بعيون الموتى
نمشي أياماً وليال
إذ كنا نبكي من
ظمأ
يعصر أكباد
الأفيال
بربّك أي طفولة
تلك التي سنتحدث عنها؟ أو بمعنى آخر لأتحدث عن طفولتي بشكل آخر
أما زلت تصغي؟
· وباسمتاع . . أكمل . .
-
ولدتني أمي تخت
سدره في الصحراء ولفتني بطرف عباءتها المتسخة السوداء، وسارت " تهيجن"
في ضعن القبيلة، ثم تفتحت عيناي على زرقة هائلة تطبق على بحر أصفر من الرمل حيث
يغدو المرء في هذا الأفق مجرد نقطة هامشية في امتداد الخليقة، بعد ذلك انحدرت إلى
المدينة وأدمنت مثل سكانها الحزن ومارست التسكع والفقر وقبل أن تطحن أضلاعي
بأضراسها الحديدية غادرتها ببسالة نادرة بعد أن كرهت المؤسسات وإشارات المرور
ومعاهد التعليم ناسياً الحب والكرهوكل علائم الزمن القديم. ثم هذا الغريب الذي
اسمه " سليمان الفليح" في الطريق يلقاه صديق قديم يسأله بحراره وعنف:
معاً رعينا الغنم ومارسنا التسكع والفقر، لماذا تتشرد هكذا في بلادك الجميلة
كالمتسولين؟! يلتفت إليه بحنق ويقول له : أنت مخطيء يا سيدي أنا لست سليمان الفليح
الذي تعرفه، أنا مجرد بدوي عابر من قبيلة عنزه الضاربة من أواسط نجد حتى شواطىء
الخليج مروراً بوديان العراق فأطراف الحماد فبادية الشام، أما أنا الآن فمجرد
مخلوق صحراوي يعود إلى الصحراء . . أتعرف الصحراء يا علي؟
· ومن لايعرف . ." . . "؟
-
عفواً قف . . !!
أظن أن المسافات
تداخلت في الذهن بين سيرة سليمان الفليح وسيرة بطل حيدر حيدر في رواية (الطوفان)
ولكنني لست على استعداد أن أفصل بين السيرتين لأننا نتكلم عن سيرة واحدة ولشخص
واحد هو الذي تحاوره الآن، وإذا ما أوغلت في الشطط لست بحاجة لمن يدلني على
الصواب، فقد اختلطت في ذهني الثقافات ممزوجة بزوابع الصحراء.
·
كيف بدأت الدراسة وأظن أنك من
دائرة لم تعتمد طموحاتها أو معيشتها على التعليم؟
صف مرحلة العلم،
وماذا تحتفظ من ذكريات حولها.
-
بربك هل تعتبر
التعليم الابتدائي تعليماً حقيقياً والذي اكملته للمتوسطة فقط وأنا في الجندية
التي تحملت كل قساوتها لأعيل أمي اليتيمة مثلي والتي زوجتني مبكراً وحسناً فعلت
لكي تحفظني من الضياع على أقل تقدير.
·
يتنهد سليمان،
ولكنه عندما يتنهد لا يتنهد بضعف، بل بألم. . ذلك الألم الذي يزيد الشفافية
ويحولها إلأى قوة هائلة.
يكمل وعيناه
تشردان:
-
كنت أهفو للجامعة
وكان حلماً صعباً لحؤول الأنظمة العرجاء والقوانين الفجة دون ذلك ولكنني حققت هذا
الحلم ليوم واحد بالعمر حين ردمت هذه العقدة بالثقافة وأصبحت كما أنا، وحدث أن
دعاني الدكتور مرسل العجمي لألقي محاضرة على طلابه في جامعة الكويت حول ( مقاربات
بين الأدب الشعبي والعربي والعالمي) .
فما كان مني إلا
أن وقفت أمام الطلبة وقلت لهم: أوه أيها الأحبة الطلاب لطالما تمنيت أن أجلس في
مقاعدكم هذه لا أن اعتلي منصب الأستاذ لأحاضر عليكم، يومها بكيت من القلب وقررت أن
أوصل أولادي إلى تلك المقاعد مهما كانت الأنظمة والتنازلات التي سأتكبدها في سبيل
ذلك، أو لأقل لك شيئاً خاصاً: دخلت المطبخ ذات يوم على بناتي اللواتي أنهين الثانوية
وجلسن في المطبخ فقط وسمعتهن يتحدثن عن الوالد العظيم والشاعر الكبير الذي يفتخرون
به.
ثم نهضت إحداهن
وبكت وقالت : ما فائدة ذلك كله مادام لا يستطيع أن يدخلنا الجامعة، ساعتذاك تحولت
إلى مجرد صرصار. أصبحت أخجل حتى من رؤية وجهي في المرآة، أتعرف كم كان ذلك قاسياً
على شاعر هائل؟! لست أدرى كيف تذكرت حينها (رواية المسخ) لفرانز كافكا حيث يتحول
البطل إلى حشرة، لذا أرجو أن لا تحدثني عن شيء أسمه التعليم.. لتسقط كل الجامعات
في الوطن العربي التي لم تخرج سوى أنصاف الأميين وأشباه المتعلمين!!
·
في سيرتك الأدبية
لا تخجل من بداياتك، فتذكر أنك رعيت الأغنام في بدايات عمرك، ماذا تعلمت من هذه
المهنة؟
-
تعلمت أن وفاء
البهائم أكثر من وفاء البشر، أتصدق أن الإبل تضرب عن الرعي حينما يتركها الراعي
الذي ألفته بل وتمارس الحنين والبكاء إلى أن يعمد البدوي إلى وضع عباءته على شجرة
لكي تشم رائحته فتهدأ ثم تتعود على الفراق.
·
بعد ذلك على ماذا
اعتمدت ثقافتك، كيف سعيت إلى الثقافة أصلاً من الذي أخذ بيدك ليوصلك إلى عالم
الكتاب؟
-
كما يقول بعض مدعي
الإبداع ان القصيدة هي التي تكتبه، أقول لك إن الثقافة هي التي سعت إلي . . حدث
ذلك حينما عينت في بدء حياتي الوظيفية بالجيش الكويتي مسؤولاً عن قراءة الصحف
وأرشفة بعض الموضيع التي تخص عملي وهذه القراءة الوظيفية شدتني إلى قراءتيالخاصة
ومن ثم قادتني إلى قراءة الكتب التي تتناوله والكتاب الذين تجلبهم والشعراء الذين
ينشر لهم وهكذا اهتديت إلى المكتبات التي عوضتني عن عقدة الجامعة !! لدرجة أن
الكتب شاركت أطفالي لقمة العيش ولربما احتلت مساحات في بيتي الصغير هم أجدر بها ثم
جرتني القراءة للكتابة وهكذا صرت "خوش مثقف" و"خوش كاتب" على
رأي الآخرين بل زد على ذلك شاعر لا بأس به !!
·
الخروج من الصحراء
إلى المدينة . . هذا أول اعتراض على "واقع الحال".
كتابة الشعر ..هذا
ثاني خروج على تسيد الأمية، التخصص في الشعر الحديث.. هذا ثالث خروج على الواقع.
أية طاقة كنت
تملكها، هل كنت تتعامل مع المستقبل وأنت تفكر وتعمل في يومك . . هل أنت سعيد بهذه
الرحلة؟
- الصحراء مدرستي الأولى التي علمتني الخروج على الفقر واليباس والرتابه بكل ما فيها من أنواء،
عواصف، لواهيب، أمطار غزيرة، وريح قر، ورمضاء حر ووحش، ولم لا؟.. فأنا حفيد
الصعاليكوالأغربة وهم أول من استلهمت من مرابعهم الخروج، أما الشعر فقد انطلقت
فعلياً من القصيدة الحديثة ناهيك عن تجارب ضئيلة في القصيدة النبطية أولاً، وكنت
أخاطب مجتمعاً أمياً محكوماً بالتقاليد الصعبة والأعراف القاسية والثقافة الشعبية،
وكان ذلك تمرداً لغوياً بحتاً، اصطدمت فيه مع اللغة ذاتها ومن داخلها. لذا كتبت
قصيدة التفعيلة والنثر والنص المفتوح ولم يكن يهمني ما يقال بالرغم من أنني لم ألق
سوى المحبة والإجلال.
حتى لو لم يفهم ما أقول !! أما الخروج على
الواقع مع سائده أيضاً فقد كانت لي نظرة مستقبلية للأشياء العظمى والتحولات
الكبرى، صرفتني عن النظرة الخاصة بي وبعائلتي وألهتني عن كل نعم حياتي لأنني كنت
أحلم مثلما كان يحلم جيلي بتغيرات هائلة تحقق الخير وتحل مشاكل الناس بطريقة
شاملة، ولكن هذه النظرة اصطدمت بواقع مرعب ضللتني المثالية عنه فكنت وحيداً
بمواجهته عارياً إلا من الشعر. ولكنني لم أحبط مثل الآخرين بل تسلحت بالوعي
لمسايرته بطريقة مخالفة تحقق لي الرؤية الجديدة له.
· الانتقال
إلى الصحافة، انتقال إلى عالم آخر.. ربما لم يخطر في البال يوماً.
كيف كان؟ وكيف تسترجع تلك الأيام التي كنت
تكتب فيها هذرلوجيا..في السبعينات مع مجموعة كتاب في جريدة "السياسة"
يمثلون تياراً حياً .. ما زال فاعلاً وقيادياً؟
- في بدء
السبعينات شرعت بطريقة اقتحامية بكتابة زاوية شعرية نبطية في جريدة
"السياسة" باسم "مخاريز" كانت تطفح بالسخرية والمرارة وذات
حديث حميم مع الصديق الكبير سليمان الفهد وثلة من الصحب أذكر منهم المرحوم ناجي
العلي، والفنان عبدالله المحيلانومطلق العجمي وعبداللطيف الدعيجوالمصور المبدع
صالح عباس أذكر أنني قلت أن الفرق بيننا وبين الغرب أنهم يصنعون التكنولوجيا ونحن
نصنع الهذرلوجيا فضحك الجمع من المفردة . . واقترح سليمان الفهد أن نغير أسم
الزاوية من مخاريز إلى هذرلوجيا وهكذا كان الأمر ثم تحولت من زاوية شعرية إلى
زاوية نثرية ساخرة أحدثت دوياً هائلاً في الأوساط الشعبية وهكذا ألتصق اسمها بي
إلى اليوم وأخذت تترحل معي كبدوية فاتنة أينما "ظعنت" أما الأسماء التي
أتذكرها في السياسة فقد كانت حسين العتيبي، أحمد الربعي، عبدالله النفيسي، قاسم
أفيوني " أبو الخير" وأمه كذلك أي "أم الخير" جزاهما الله كل
الخير فقد علماني أشياء كثيرة أدين لهما بها كل العمر وكذلك كان هناك الكاتب
السريالي المتميز مصطفى أبو لبدة وكان كل واحد منا يكتب على هواه مهما اختلفت
الأفكار.
أوه يا علي حتى وأنت تتوغل في الصحراء لابد
وأن تسمع ثمة كلب ينبح سواء أكان لك أو عليك، ولكن ذلك لم تفعله الصحافة بالنسبة
لأحد أبنائها بل ومبدعيها.
بربك أي نكران أو جحود هذا؟! بالطبع
استثنيك أنت وأعتبرها سابقة وفاء نادرة حينما ذكرتني بالخير وهي سابقة لاتتجاوزها
سوى قصيدة صديق العمر حمود البغيلي التي ابكت الكثيرين. على ا] حال دعني أتكلم
وعليك أن تسمع فقط، فأنا لست صاحبك الأول لقد غوت نزقاً وحاداً وجاهزاً للمعاركة
دوما هل تريد أن تعاركني، إذن هب للنزال.
· جربت
منازلتك وخسرت، ولكني سأسألك: رفقة الصعاليك . . والخرج إلى الأرصفة والثورة على
المجتمع. . ماذا أعطتك؟ لفب صعلوك.. ماذا يعني لك أنت بالذات؟
- أرجو هنا
أن أعلن ثمة فرق هائل بين الصايع والصعلوك.. فالصايع إنسان هامشي رث، اتكالي غير
منتج يعيش على فتات المجتمع، أما الصعلوك فهو متمرد على المجتمع، يأخذ ما يراه حقه
بقوة الإبداع والفكر ويمتلك أخلاقاً رائعة كالكرم والشجاعة والإيثار والإبداع
أساساً، هكذا هي الصعلكة الحق. أما ما عداها فهي مجرد صياعة وبؤس وتفاهة، لذا أنا
أفتخر بصعلكتي التي اعطتني كل هذا المجد(علوم الرجاجيل)، ثم أنعم بصعلكة عرفتني
بأعظم كتاب القرن أمثال : جان جنييه، غونتر غراس، الشنفري، أبوخراش، أبو النشناش،
صخر الطي، أمل دنقل، نجيب سرور، الصافي النجفي، عبدالأمير الحصيري، مصطفى البدوي،
جارالله الحميد، سيف الرحبي، صلاح الساير، العفيف الأخضر، سليمان الفهد،
وكثيرون..كثيرون.
· أحزان
البدو الرحل، والغناء في صحراء الألم، مجموعتاك الشعريتان اللتان حظيتا بترحيب
كبير على مستوى الثقافة العربية . . إلى أي مدى أثرتا على مسيرتك الأدبية فيما
بعد.
لو كنت أجّلت إصدارهما إلى الوقت الراهن هل
تتوقع أن يجدا الترحيب ذاته؟
- طبعاً
تلاهما ذئاب الليالي الذي وثقت به نفسية الغزو، ورسوم متحركة سخريتي الخاصة و
(الرعاه على مشارف الفجر) حيث أنا ذاتي ولكنني لا ألتفت للخلف سأكتب أفضل منهما،
تعمقت التجربة الشعرية والحياتية إّ كل ديوان فيه مناخ خاص بمسيرتي الشعرية.
· شهدت
ديوانيتك منذ السبعينات عدد من الشعراء، كنت موجههم ومرشدهم ومشجعهم . . ماذا تذكر
من تلك المرحلة .. ومن تذكر؟
- تماماً
كما كان قومي أهل البادية في الجاهلية يفدون إلى أسواق المدن في عكاظ أو المربد
ليعرضوا إبداعاتهم الشعرية ويبحثون عن من ينصت لهم، كنت أرى مجموعة من شباب
البادية يفدون إلى جرائد لا تعترف بالشعر الشعبي أصلاً وكان أصحاب تلك الصحف لا
يقتنعون بصفحات تحوي إبداعاتهم لذا فتحت لهم القلب والبيت والمكتبة وحاولت جاهداً
مساندتهم في تلك الصحف وإقناع أصحابها بضرورة الاستماع إلى هذا الإبداع الشعبي
الشاب، لذلك كنت أخصص يوماً لكل الشعراء يسمعون ويُسمعون ويتبادلون النقاش والنقد
وكانت تتسع الدائرة إلى أن أصبحت ظاهرة ثقافية جديدة لا بد لها من منابر، لذا
ساندتهم في إقامة أمسيات شعرية عامة وأخذت بأيدي المبدعين منهم إلى النشر وكنت
حاداً معهم إلى أن يتكرس أحدهم كشاعر، وكنت كثيراً ما أحذرهم من سطوة الشهرة
والغرور، فمن استمع لذلك نجا واستمر كشاعر مبدع ومن لم يستمع مات شعرياً، ولم تكد
تمر سنتين لا أكثر إلا وقد أصبح هؤلاء الشباب ظاهرة لها نجومها ومبدعوها وعشاقها
وعاشقاتها أيضاً، وأنا أفخر بهم كلهم ولست مسؤولاً عن انطفاء وانكفاء بعضهم، أعتز
بشكل خاص بناصر السبيعي، مسفر الدوسري، فهد عافت، سليمان المانع، نايف صقر، حمود
البغيلي، لكون هؤلاء نجوماً لا يتناقش إثنان في إبداعهم، أما بقية النجوم فإنني
أعتز بهم بشكل شاسع ولا أريد تحديدهم حتى لا أنسى أحداً، فكلهم أولادي ثم لأنهم لم
يزالوا قمماً في الساحة الشعبية ولا يتسع المجال لذكرهم.
· استطاعت
التعايش مع أكثر من جيل للدرجة التي أستطيع فيها أن أسميك " أديب
الأجيال" على نهج "موسيقار الأجيال" فأنت عايشت جيل السبعينات ثم
الثمانينات والآن التسعينات،أولاً . . ما الفرق بين تلك الأجيال الثلاثة؟
ثانياً: ألم تشعر بالملل؟ ثالثاً: هل تعتقد
أنك ستتعايش مع جيل عام 2000؟!
- أنا سعيد
بهذه التسمية التي لا أستحقها ولكنها لربما تثير الغبطة في القلب، إنني استطعت
التواصل مع هذه الأجيال ليس أكثر لأنني أؤمن بأن الشاعر الحقيقي إن لم يتواصل
ويتفاعل مع الأجيال فإنه سرعان ما يتأسن ويضمحل ويموتّ!! وأنا سعيد أنني لم أمت
بعد، أما الفرق بين هذه الأجيال إذا ما سميناها أجيالاً بالمجاز فإنني أرى أن جيل
السبعينات كان أكثر حرارة وتفاعلاً وتحدياً رغم الانكسارات والهزائم التي تحمّلها
وحاول تخطيها نحو الأمل وكان يشعر بمسؤولية كبرى نحو مجتمعه ووطنه وأمته، أما جيل
الثمانينات فقد كان ذاتياً محضاً يكتب همه الخاص، أما جيل التسعينات فقد تحولت
ذاتيته وللأسف الشديد إلى نرجسية طاغية واهتم بالشكلانية أكثر من غيرها ولكني
اتفاءل أيضاً بجيل القرن القادم لعل لديه ما يجيب على الأسئلة الشعرية الصعبة
لمسيرة القصيدة الجديدة .
· لديك
رواية لم تر النور بعد، متى ستظهر وما تفاصيلها وهل هي موازاة لتجربة عدد من
الشعراء العرب في الاتجاه نحو الرواية؟
-
في عام 1978 قررت أن أكتب رواية عن تحولات
أهل البادية وانحدارهم للمدن طلباً للعيش وانعكاس تلك التحولات على مفاهيمهم
ونظرتهم الشاملة للكون والحياة واصطداماتهم بالممارسات الحديثة وانقلاب المفاهيم
لدى شرائح كثيرة من أولئك الناس الذين انتقل بعضهم من البؤس المدقع إلى الثراء
الفاحش، وقد انجزت تلك الرواية بالفعل وكانت تحكي السيرة الذاتية لقبيلتين متساوقة
مع السيرة الذاتية الخاصة بي، وقد كتبتها بكل تجرد وشجاعة. ولكن لسوء التقدير
ولجهلي بالساحة الثقافية آنذاك عرضتها على مشرفي صفحات كنت أظنهم نقاداً ومكثت عند
أحدهم أكثر من سنتين دون أن يقرأها وبالتالي قال لي بالحرف الواحد " إنها
تحكي عن رؤية متخلفة"!! ولأنني ضد التخلف ولتسلط سيف الرهاب (العروبي) آنذاك
على رأس المثقف الخليجي فقد طويتها بالنسيان. لاحظ لم أقل يطويها النسيان . ولكن
حينما صدرت بعض الروايات العربية التي تحكي عن إنسان المنطقة وتحولاته وجدت أن
روايتي كانت رائدة لو قيض لها النشر. ولكن ذلك الناقد الجاهل وعديم الإبداع كما
اكتشفت لاحقاً قمع تلك الرغبة ولذا لن أسامحه وسأعيد كتابتها بشكل جيد، وسأكتب عن مرحلة
ذلك الإرهاب والوصاية الفكرية التي كان يمارسها علينا أصحاب قضايا خذلونا لدى
قضيتنا ولم يقفوا معنا كما وقفنا معهم !!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق